مع حلول عام على حرب الإبادة كيف تبدو المالات والتداعيات؟
مع
اقتراب حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة من نهاية عامها، لم تحقق الحرب أيّا من
النتائج التي وضعتها الحكومة الإسرائيلية لها، فهي لم تدمر سلطة حماس المدنية، ولم
تقض على قدراتها العسكرية، ولم تفلح في إطلاق كل المخطوفين الإسرائيليين المحتجزين
في القطاع، ولم تستعد الأمن في المنطقة الجنوبية، وكل ما حققته ويثبت فشلها، في
حرب تعدّ الأطول في تاريخ إسرائيل، تعرضها لخسائر غير مسبوقة، واغتيال قادة حماس،
وعلى النهج ذاته اغتيال قادة حزب الله، وإبادة المدنيين، وهذان الأمران لم يؤثرا
في بنية المقاومة وعزيمتها ودوافعها وأهدافها، إنما على العكس، أظهرت المقاومة
قوتها وصمودها في أرض المعركة، وحشدت تضامنًا أكبر لدى الشارع، ذلك أن اتهامات
الكثيرين للقادة بأنهم في معزل عن ساحة الحرب، تلاشت بعد أن صاروا شهداء.
والجدير
بالذكر أن الشعوب القائمة على الإيمان بفكرة وعقيدة، ستواجه قرارات نتنياهو
الخاطئة وغير المسؤولة بثبات وعزيمة، وتلك القرارات من شأنها فقط أن تلحق أضرارا
فادحة بأمن إسرائيل القومي وحياة سكانها، فليس لدى الفلسطيني ما يخسره إن خسر
كرامته وإنسانيته، ولذلك إن لم يأت الرّدع من داخل الشارع الإسرائيلي فلن يوقف
جنون نتنياهو شيء، وبالتالي إن لم يكسر حاجز الصمت ويتم الضغط على المؤسسة
السياسية لوقف الحرب، فإن إسرائيل بلا أدنى شك هي الخاسرة، فموازين الربح والخسارة
تختلف في ميزان الإسرائيلي عنه في ميزان الفلسطيني، فنكبة الفلسطيني لم تبدأ اليوم
وإنما بدأت في 1948، وبالنسبة لحماس فهي تدرك أنها أخفقت في تعويلها على
"قواعد الاشتباك" و"وحدة الساحات" وأنها ليست إلا حركة مقاومة
مقابل جيش، يمتلك قوة قدرات تدميرية، خاصة أنه مزود بترسانة أمريكية لا حدود لها، وأما
ما يتعلق بوحدة الساحات فإن إيران لم تقدم لحماس ولا لحزب الله على أرض المعركة ما
قدمته لسوريا على سبيل المثال للحفاظ على حكم بشار الأسد، إنما ظلت دون مستوى
القدرة على الضغط على إسرائيل لتقييدها، أو لتخفيف حرب الإبادة التي تشنها على
فلسطينيي غزة منذ قرابة السنة.
وأما
تداعيات الحرب في أوساط المجتمع الدولي، فقد تزامنت الحملة على إسرائيل في الساحتين
الدبلوماسية والقانونية مع سير العمليات القتالية، منذ بدء الحرب، ما يشي بأنها
تواجه حربًا متعددة الأبعاد، فضلا عن خسارة مكانتها كضحية، بشكل نهائي، فبعد أن
كانت تبدو كدولة استعمارية وعنصرية وعدوانية بلبوس الديمقراطية والحرية، صارت في
حربها ضد غزة تظهر كدولة إبادة جماعية، غير مكترثة بصورتها في الرأي العام، ولا
بالمعايير والمواثيق الدولية والإنسانية، كما خسرت صورة جيشها الذي لا يقهر، إنما يتعرض
لضربة قاسية، في منطقة صغيرة شبه مغلقة، رغم كل قدراته التدميرية، ولا ننسى صورة
إسرائيل التي انقلبت رأسا على عقب، بعد ان كانت ملاذًا آمنًا ليهود العالم، صارت
أكثر منطقة تهدد أمنهم، مما شكل حركة هجرة غير مسبوقة، فضلا عن إدانة بعض الشرائح
اليهودية في الخارج لممارسات إسرائيل الهمجية ضد الفلسطينيين وعدم الاعتراف بها،
كما باتت عبئا ماليا وأخلاقيا عليهم وعلى الدول الغربية، بعد ان توضحت صورتها كدولة
دينية ويهودية ودكتاتورية تحاول تقويض السلطة القضائية، واعتمادها المطلق على
الولايات المتحدة الأمريكية في حمايتها ودعمها، في المقابل أدت حرب الإبادة
الإسرائيلية إلى تعزيز التعاطف الدولي مع الفلسطينيين، ودعم مطلبهم المتمثل بإقامة
دولة مستقلة لهم.
وعلى
الرغم من سياسة الضم الجديدة لنتنياهو منذ 7 أكتوبر، بإنشاء بؤر استيطانية زراعية
غير قانونية، تمهيدا لبؤر استيطانية كأحياء مدنية معيشية، وربطها بالطرق المعبدة
وشبكات المياه والبنى التحيتية، إلا أنها فشلت في إقناع الإسرائيلي بإمكانية
الاستقرار فيها في ظل هذه الظروف غير الآمنة التي خلقتها الحرب، فظلت الإنجازات
وهمية يحاول بها نتنياهو إقناع الشارع بإنجازاته، لكنه في حقيقة الأمر مقابل ذلك
تصاعدت أعمال المقاومة بمختلف أشكالها، في أنحاء الضفة الغربية، والمسلحة منها
بشكل خاص، وباتت تشكل ظاهرة ثابتة من ظواهر مقاومة الشعب الشاملة، في مواجهة تغول
سلطات الاحتلال وتسريعها في تطبيق إجراءات الضم.
هل
من فرص لوقف المأساة؟
بعيدا
عن المفاوضات والاتفاقيات والبنود التي تعرقلها إسرائيل في كل مرة، لن تتوقف مأساة
هذه الحرب إلا بصمود المقاومة في غزة ولبنان أولا، وإسناد شعبي لهما، وضغط دولي
لوقف همجية إسرائيل وإبادتها العمياء للشعب الفلسطيني، والآن اللبناني، ومطالبة
الاعتراف بدولة فلسطين ثانيا، ويقظة الشعب الإسرائيلي وضغطه على حكومة نتنياهو لوقف
جنون نتنياهو الذي يجر إسرائيل إلى مستنقع موحل لن تخرج منه سالمة.
ما
الذي حققناه بعد عام من حرب الإبادة؟
أصبح
الشعب الفلسطيني أكثر إدراكا بأن المقاومة السلمية لم تجلب لهم إلا الذل والعار
ومزيدا من سلب الحقوق، وخاصة في الضفة الغربية، ولذلك شهدت المقاومة تطورا ملحوظا
وبأنماط متعددة، منها العمليات الفردية المسلحة والتشكيلات الموجودة بمناطق شمال
الضفة الغربية على شكل كتائب ومجموعات، وعادت الفصائل الفلسطينية؛ لتنفيذ عمليات
نوعية مع تبنيها ذلك، كما حدث في عمليات الخليل الأخيرة والعملية الاستشهادية في تل
أبيب مطلع أيلول الماضي، فضلا عن العبوات المتفجرة الثقيلة والخفيفة التي تعترض
جيش الاحتلال خلال اقتحاماته للمناطق الفلسطينية، كما تصاعد استهداف المستوطنين
وجيش الاحتلال بعمليات إطلاق نار منظمة وفردية في الشوارع العامة.
ما
الذي يمكن ان نسجله من مآخذ بعد مرور عام على حرب الإبادة؟
الصمت العربي تجاه ما يحدث، غير مدركين أن مخطط نتنياهو سيطال المنطقة برمتها حيث تهدف استفزازات نتنياهو المتكررة ضد إيران وحلفائها، إلى استهداف منشآت إيران النووية، والتي بدورها ستستهدف منشآت إسرائيل، وهذا سيجر تدخل أمريكا، ويفجر حرب إقليمية وبالتالي إشعال المنطقة من المتوسط إلى الخليج العربي، وشطب الفلسطينيين من الخريطة الجغرافية والسياسية، وتغيير شكل المنطقة برمتها مع توسيع مناطق سيطرتها.
