الطفلة
زهراء جسد يلفظ الموت وينشد الحياة
أطفال
من تحت الأنقاض
سماح
خليفة/فلسطين
في
غزة تفقد الأشياء مسمياتها ومعانيها، وتحتفظ بمعنى جمعي واحد هو الوجع، الوجع الذي
يتحول مع الأيام إلى ندوب عميقة تحفر بوحشية في جسد الزمن، صار الموت في غزة أرحم
من كل أشكال الحياة التي يعيشها أهلها، عام مضى على إصابة الطفلة زهراء ابنة الست
أعوام من دير البلح في القصف الهمجي لصواريخ العدو الصهيوني، تعيش الآن زهراء
بشظايا منتشرة في كامل جسدها، أربع شظايا مستقرة في الدماغ أدت إلى ضمور في
دماغها، قلب حياتها رأسًا على عقب، شظايا في العينين والأذنين والبطن والساقين،
أفقدها سمعها وقدرتها على الكلام، وصارت تعاني من التبول اللاإرادي، وعدم القدرة
على السيطرة على يديها، فضلًا عن الشظايا الصغيرة جدًا التي يلفظها جسدها يوميًّا،
أو يستخرجها أهلها بأيديهم، كما أن الحروق منتشرة في بطنها وصدرها.
زهراء
التي اعتادت المهدئات والمسكنات منذ إصابتها، صارت تعيش يوميا بألمها بعد نفاد تلك
المسكنات، لتتحول تلك الطفلة الاجتماعية المفعمة بالحيوية والنشاط والمحبة إلى
طفلة عدوانية، تحاول قتل أخوتها لا إراديا، تغافل والدتها؛ لتمسك برقبة أخوتها
الصغار تخنقهم.
مهما
حاولنا أن نصف وجع الأطفال في غزة، ستظل قصصهم الأكثر وجعًا خارج حدود الوصف، فلا
كلمات تكفي لتنقل مشاعر مَن ولد وكبر واكتشف أن الإنسانية عبارة عن كذبة، وأن العالم
ليس كما تخيلته في قصص ما قبل النوم، وأن الطفولة تغيرت مفاهيمها واعتباراتها، وأن
الخيمة الممزقة التي تعجز عن احتضانك لا تصلح لمزيد من الأحلام، وأن طائراتهم
الورقية التي اعتادوا رسمها وتطييرها لتحمل أحلامهم من الخيال إلى الواقع تحولت
إلى طائرات إسرائيلية تقصف السقف على رؤوسهم.
الحرب
في غزة لم تخلف فقط الأوجاع والموت للأطفال الذين هم شعلة المستقبل، وإنما خلّفت الفراغ
الكبير جدًا، فراغ الأب، فراغ الأم، فراغ العائلة، فراغ الأصدقاء، فراغ لكل معالم
الحياة اليومية، زهراء التي لم تفقد والدها بالموت، إنما فقدته كما فقدت نفسها، بشظايا
في الجسد وشلل عن الحركة، لا تتعرف على والدها ولا يتعرف عليها، وكل هذه المشاهد
الموغلة في الوجع تتحرك أمام أنظار الوالدة التي لا حول لها ولا قوة، إنما تعجز
حتى عن توفير (بامبرز) لأطفالها، أي قهر هذا الذي يدفع أُم لتناشد العالم أن يوفر
أبسط أمانيها، هو الحصول على بامبرز لأطفالها الثلاث. أم زهراء التي كانت تعيش
حياة مرفهة في برج الشيخ زايد في غزة، تعجز عن ادّعاء الحياة في مسرحية هزلية
تزداد أحداثها بشاعة يوما بعد يوم.
أمّ
زهراء تعجز عن إسكات صراخ طفلتها التي تعجز بدورها عن النوم، ليلًا ونهارًا، تتألم
في كل لحظة، وهي ترى جسدها لا يستوعب كمية الشظايا التي سطت عليه، يحاول لفظها،
وهي تمارس فعل النجاة بالاستجابة لهذا الجسد وذلك بسحب الشظايا منه في عملية لا
يستطيع تصورها العقل البشري لطفلة في عمرها.
أي
مأساة تلك التي تجعل أُمًّا لا تفكر بالماء ولا الطعام ولا الكهرباء ولا اللباس،
إنما فقط كيف تسكت صراخ ابنتها الذي يدوي وجعها في أذنيها وهي عاجزة عن تخفيف هذا
الوجع، ليس أمامها إلا ان تستلّ شظية وجع من جسدها فتدفعها للصراخ من جديد.
فراغ
كبير يولّد وجعًا أكبر لدى سكان غزة، الأماكن التي كانت تعج بالحياة تحولت إلى
مقابر للأحلام؛ فكل مكان في غزة يحمل ذكرى مؤلمة، ما عاد هناك أطفال ولا طفولة،
الزقاق الذي احتضن سابقًا ألعاب الأطفال ومشاكساتهم صارت شاهدًا على صمتهم، على
فقدهم، على وجعهم.
الذكريات
التي تعصف بأذهانهم كلما مرّوا بجوار أنقاض مبنى ما، صارت تحيي مشاهد الفقد من زمان
ومكان نبض بالحياة سابقًا وصار خرابًا كبيرًا، المدينة بأكملها شاخت وتجاعيد وجهها
صار يحكي حكايات من نوع آخر، لكنها لا تستطيع إلا أن تحتفظ بصورة بطل طفل يرفض أن
يستسلم للموت، يكبر محتفظًا بأمل ولو صغير لحياة جديدة ستشرق فيها الشمس يومًا ما.
عام
على الحرب، لكنه لا يقاس بالساعات والأيام والأشهر كغيره من الأعوام، إنما بأدوات
جديدة لا تخضع لمفهوم العدمية، هو الوجود الغزّي الذي يفرض نفسه متسلحًا بالأمل
الذي يحيى في قلوبهم، ليدون قصص الصبر المليئة بالمعجزات، بالمتناقضات، قصص الموت
والحياة، قصص الفقد والصمود، قصص سيخلدها التاريخ منتصرًا لأوجاع أصحابها...هنا
كان حياة وستنهض عنقاء من ركام الموت...
