JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

الصفحة الرئيسية

سياسة التضليل أداة لتبرير قصف المدنيين في غزة سماح خليفة/ فلسطين

 سياسة التضليل أداة لتبرير قصف المدنيين في غزة
سماح خليفة/ فلسطين

لم تكن الحروب في التاريخ مجرّد مواجهات عسكرية بين جيوش متحاربة فحسب، بل كانت ولا تزال معارك سرديّات، وصراع روايات، تحسمها أحيانًا الصورة والكلمة بقدر ما تحسمها الصواريخ والدبابات. وفي السياق الفلسطيني، يظهر بوضوح كيف اعتمد الجيش الإسرائيلي، منذ تأسيسه وحتى اليوم، سياسة ممنهجة قائمة على التضليل الإعلامي ونشر الأخبار الزائفة أو الملتبسة، بهدف تبرير عدوانه المتكرر على الشّعب الفلسطيني، لا سيما في غزة، وشرعنة قصف المدنيين أمام الرأي العام العالمي.

تقوم هذه السياسة على مبدأ بسيط في ظاهره وخطير في جوهره: "اصنع رواية تسبق الحقيقة، ثمّ دافع عنها بكل الوسائل"، فمنذ اللحظات الأولى لأّي تصعيد عسكري، يُسارع المتحدّثون باسم الجيش الإسرائيلي إلى إصدار بيانات عاجلة يزعمون فيها أن القصف يستهدف "مواقع عسكرية"، أو "بنى تحتية للإرهاب"، أو "مخازن أسلحة"، في حين تكشف الصور والفيديوهات وشهادات النّاجين لاحقًا أنّ تلك المواقع لم تكن سوى منازل مدنية، أو مدارس، أو مستشفيات، أو ملاجئ لجأ إليها الأطفال والنّساء هربًا من الموت.

هذا التّضليل لا يحدث صدفة، بل هو جزء من منظومة مدروسة بعناية ضمن ما يُعرف بـ "الحرب النفسية والإعلامية"؛ فالجيش الإسرائيلي يدرك أن صور الأطفال القتلى والبيوت المهدّمة قادرة على تحريك الضّمير العالمي، لذلك يحاول أن يسبق هذه الصور برواية جاهزة تبرّر الجريمة وتمنحها غلافًا زائفًا من "الشرعية"، وهكذا يتحوّل القاتل إلى "مدافع عن النفس"، والضّحية إلى "درع بشري"، والمجزرة إلى "عمليّة دقيقة".

من أهم أدوات التضليل التي يستخدمها الجيش الإسرائيلي هي التّلاعب بالمصطلحات، فلا يُقال –على سبيل المثال- "قصف مدرسة"، إنّما "استهداف موقع تابع لحماس استُخدم كمنصة إطلاق صواريخ"، ولا يُقال "قتل عائلة بأكملها"، إنّما "وقوع أضرار جانبية نتيجة وجود عناصر مسلحة في المنطقة". ولا يُقال "مجزرة"، إنّما "حادث مؤسف قيد التحقيق". هذا التغيير اللفظي ليس بريئًا، بل يسعى إلى تجريد الحدث من بعده الإنساني، وتحويله إلى خبر تقني بارد، يخلو من الدم والدموع.

وتكمن خطورة هذه السياسة في أنّ وسائل الإعلام الغربيّة في كثير من الأحيان تتبنى هذه الرّواية كما هي، فتنقل بيانات الجيش الإسرائيلي دون تمحيص أو مساءلة، في حين تُهمَّش الرّواية الفلسطينيّة أو تُقدَّم على أنّها "رواية طرف آخر" تفتقر للمصداقية. وهكذا يُبنى وعي عالمي مشوّه، يرى الجريمة من زاوية واحدة، ويُعيد إنتاج سرديّة المحتل على حساب الحقيقة.

وفي كل جولة عدوان على غزة، تتكرّر المشاهد نفسها: يبدأ القصف، تُهدم البيوت فوق رؤوس ساكنيها، تمتلئ المستشفيات بالقتلى والجرحى، ثمّ يخرج النّاطق باسم الجيش الإسرائيلي ليقول: إن "العمليّة كانت ضروريّة لحماية أمن الإسرائيليين"، وإنّ "الجيش يبذل أقصى جهده لتفادي المساس بالمدنيين". لكنّ السؤال البديهي الذي يفرض نفسه: إذا كان الهدف هو تجنب المدنيين، فلماذا تُقصف الأحياء السكنية المكتظة؟ ولماذا تُدمر العمارات السكنيّة فوق رؤوس ساكنيها؟ ولماذا يُقتل الأطفال وهم في أسرّتهم وبين ألعابهم؟

إنّ هذه التناقضات الفاضحة تكشف بوضوح أنّ ما يجري ليس "خطأً عسكريًا"، ولا "ضررًا جانبيًا"، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني، وبث الرّعب في نفوسه، ودفعه إلى الاستسلام أو الرحيل، فالتضليل هنا لا يخدم فقط تبرير القتل، إنّما يساهم في ترسيخ فكرة أنّ حياة الفلسطيني هي حياة قابلة للإلغاء، يمكن التضحية بها دفاعًا عن "أمن الدولة المحتلة".

ولا يقتصر التّضليل على البيانات العسكرية، إنّما يمتد إلى نشر مقاطع فيديو مفبركة، أو صور مجتزأة، أو معلومات ناقصة، يجري تداولها بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وغالبًا ما تُنشَر هذه المواد في اللحظات الأولى للحدث، قبل أن تتاح فرصة للتحقق منها، فيُبنى عليها رأي عام يصعب تغييره لاحقًا حتى بعد ظهور الحقيقة. وهذه إحدى أخطر نتائج التضليل: أنه يترك أثرًا طويل الأمد، يشوّه الذّاكرة الجمعية، ويخلق شكًّا في رواية الضّحيّة.

كما يستخدم الجيش الإسرائيلي أسلوب الاتهام المسبق، فيسارع إلى تحميل الفصائل الفلسطينية مسؤولية قصف أي منشأة مدنية سقطت نتيجة غارة إسرائيلية، مدعيًا أن "صاروخًا فلسطينيًا أخطأ هدفه"، أو "انفجر في الجو وسقط على المدنيين". ورغم أنّ الأدلة الميدانية تفنّد هذه الادّعاءات في كثير من الأحيان – من خلال بقايا الصّواريخ ونوع المتفجرات وبيانات الرادار، إلا أنّ هذا الاتهام يظلّ يتردّد في وسائل الإعلام، ويُستعمل ذريعة لمواصلة القصف.

إنّ واحدة من أبشع صور هذا التّضليل تتجلّى في استهداف الصّحفيين والمؤسّسات الإعلاميّة. فكم من صحفي فلسطيني قُتل أثناء تغطيته للأحداث، وكم من مقرّ إعلامي دُمّر بذريعة أنه "تابع لتنظيمات معادية"، بينما الحقيقة أنه كان ينقل للعالم صورة ما يجري. فالإعلام الحر هو العدو الأول للتضليل، ولذلك يجري إسكات صوته بالقوة.

لكن رغم كل ذلك، فشلت هذه السياسة في تحقيق أهدافها الكاملة، فبفضل تطور وسائل التّواصل الاجتماعي، وانتشار الهواتف الذكية، بات كل فلسطيني شاهدًا وصحفيًا، ينقل الحقيقة بالصّورة والصّوت، ويكشف التّناقض بين الرّواية الرسميّة وما يحدث على الأرض. ولم تعد الرواية الإسرائيلية هي الوحيدة المتاحة، بل بات العالم يرى، وإن بشكل متأخر أحيانًا، وجهًا آخر للحقيقة، وجهًا يلطخه الدّم وينطقه الألم.

لقد أصبح واضحًا أن معركة اليوم ليست فقط على الأرض، إنّما على الوعي، ومن يمتلك الحقيقة لا بد أن يُحسن الدفاع عنها، وأن يوثقها، وأن يحفظها من التّشويه والنسيان، فالعدالة قد تتأخر، لكنّ الحقيقة لا تموت، مهما حاولت آلات التضليل أن تطمرها تحت ركام الأكاذيب.

وفي الختام، يمكن القول إن سياسة التضليل التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي ليست مجرد خيار إعلامي، بل جزء أساسي من استراتيجيته الحربية، فهي تمهّد للقنابل، وترافقها، وتلحق بها، محاولةً تحويل الجريمة إلى "حق"، والعدوان إلى "دفاع"، والاحتلال إلى "ضرورة أمنية"، غير أن التّاريخ، كما علّمنا، لا يُكتب ببيانات الجيش، بل بدماء الضحايا، وبصمود الشعوب، وبالحقيقة التي تخرج من تحت الركام، مهما طال الزمن.

فالتضليل قد ينتصر في معركة إعلامية عابرة، لكنه لا يستطيع أن ينتصر على الحقيقة إلى الأبد، والحقيقة في فلسطين واضحة كالشمس: شعب أعزل يُقصف، وأرض تُغتصب، وحياة تُسلب يومًا بعد يوم...


الاسمبريد إلكترونيرسالة