براعة وجمالية الربط بين العنوان والبنية السرديةفي رواية (نطفة في قلب غسان كنفاني) لزينب السعود/ سماح خليفة
يُعدّ العنوان في الرواية العتبة الأولى التي يلج منها القارئ إلى العالم السردي، فهو لا يمثل مجرد تسمية خارجية للنص، إنما يشكّل بنية دلالية وجمالية تتقاطع مع الأحداث والشخصيات والرؤية الفكرية للعمل الروائي. ومن هنا تتجلى أهمية العلاقة بين العنوان ومحتوى السرد بوصفها علاقة عضوية تسهم في بناء المعنى وتعميق الأثر الفني في وعي المتلقي.
وتنبع جمالية الربط بين العنوان والسرد من قدرة العنوان على خلق أفق توقّع لدى القارئ؛ فحين يختار الروائي عنوانا مكثفا وموحيا، فإنه يزرع سؤالا أو صورة أو حالة شعورية ترافق القارئ منذ اللحظة الأولى للقراءة. ومع تقدّم الأحداث يبدأ هذا العنوان بالانفتاح على مستويات متعددة من التأويل، فيتحول من عبارة ثابتة إلى مفتاح رمزي لفهم النص واستيعاب أبعاده الفكرية والوجدانية. وهنا تتحقق البراعة الفنية الحقيقية، حين يكتشف القارئ أن العنوان لم يكن منفصلا عن السرد ولم يقحم في نهايته، إنما يسير في داخله منذ الصفحة الأولى، ويتشكل تدريجيا عبر تطور الأحداث والشخصيات.
وهذا ما حققته الروائية زينب السعود Zainab Alsoud في عنوان روايتها المركب: نطفة/في/قلب/غسان/كنفاني. فقد منحت الكاتبة كل مفردة في العنوان مساحة دلالية خاصة وكافية لنضج المفهوم، لتغدو المفردة عنصرا حيا داخل البنية السردية، لا مجرد جزء لغوي معزول. وبذلك استطاعت أن تحول القارئ إلى شريك في إنتاج المعنى، لا متلق سلبي للأحداث.
كما أجادت الكاتبة توظيف الرمز المتمثل في اسم (غسان كنفاني)، إذ جعلت حضور الاسم في البداية ثقيلا على شخصية البطل، في حين بدا مألوفا ومحببا لدى القارئ، بناء على حمولة فكرية سابقة عن غسان كنفاني الأيقونة الفلسطينية، لتلجأ فيما بعد إلى عنصر الدهشة الذي جعل القارئ يحب الاسم من منحى آخر فرضته حبكة الرواية.
ثم جعلت الثقل الذي حملته شخصية البطل من عبء الاسم بالتلاشي تدريجيا مع تطور الحبكة وتنامي الوعي الداخلي له. وهنا تتقاطع رحلة البطل مع رحلة القارئ الشعورية والفكرية، حتى يصلا معا إلى قناعة مشتركة بأهمية الاسم وما يحمله من رمزية وطنية وإنسانية عميقة.
أما (النطفة) التي تشكّلت على مهل داخل الرواية، فقد استطاعت الكاتبة، عبر التسلسل السردي المتدرج، أن تجعلها تستقر فعلا (في القلب)، ليغدو القلب جوهر الرواية النابض، والمساحة التي تفجّرت فيها مشاعر البطل وتحولاته الداخلية. ومن خلال هذا الامتزاج بين الرمز والعاطفة والسرد، ينجح النص في دفع القارئ إلى التماهي مع الشخصية، فيتألم ويفرح معها، وكأنه يعيش التجربة ذاتها من الداخل.
مأخذي على الرواية هو تحولها في السرد ص 173 إلى الحديث عن السجانة أنجليكا أثناء وجود ندى في الأسر، دون سابق إنذار، قفزة غير موفقة تضع الكثير من علامات الاستفهام، لم تهيئ القارئ من خلال السرد أو حتى وضع فاصل متقطع أو أربعة نجوم تفصل بين السطرين/الحدثين.
.......
قرأت سابقا للكاتبة رواية "الحرب التي أحرقت تولستوي"، واليوم، بعد أن قرأت "نطفة في قلب غسان كنفاني"، دفعة واحدة، وجدت أن هذه الرواية تفوّقت على سابقتها في جميع النواحي؛ لغة، وحبكة، وتقنيات سرد، ونضجا فكريا وفنيا...
