الكثافة الزمكانية في رواية شتوية آذار
سماح خليفة
تكثيف التفاصيل وتتابعها في خط زمني يكاد يخلو من القفزات، إلا ما ندر، على مستوى الأشياء والأمكنة والأحداث والمشاعر، هي السّمة التي تنماز بها بعض الروايات عن غيرها. وهو، في جوهره، أسلوب سرديّ يقوم على تكثيف الجزئيات وإبطاء الإيقاع الزمني، بما يتيح للنص أن يقيم داخل اللحظة بدل العبور السريع عنها.
ففي هذا النمط، لا تقدّم التجربة بوصفها مكتملة، إنّما بوصفها مسارًا
متدرّجًا يتشكل عبر التفاصيل الدقيقة؛ حيث تغدو الجزيئات عناصر دلالية فاعلة،
تُسهم في بناء العالم الروائي وكشف أبعاده النفسية والجمالية. وهنا يتكئ الأسلوب
على جملة من التقنيات الجزئية -كالتوصيف الكثيف، والتنامي التدريجي للحدث،
والاقتصاد في القفزات الزمنية- لتعميق الإحساس بالزمن وتكثيف حضور المكان
والشخصية.
غير أن هذا الأسلوب، على ما ينطوي عليه من ثراء، يظل رهين قدرة الكاتب
على ضبط إيقاعه؛ إذ إن فائض التفاصيل، إن لم يُحسن توظيفه، قد ينقلب إلى ترهّل
يُثقل السرد، بدل أن يكون أداة لتكثيفه وتعميقه. ومن هنا تتجلّى قيمة الجمالية حين
تتحول التفاصيل من عبء وصفي إلى بنية دلالية منتجة، تغني النص ولا تبطئه.
رواية (شتوية آذار) للكاتبة وفاء صلاح، والتي تقع في 102 صفحة، تضع
قدمها على هذا الطريق لتبدأ رحلتها في هذا الأسلوب بجدارة.
