JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

Startseite

العبور بين الأجناس الأدبية: ثراء إبداعي أم قلق هوية؟ سماح خليفة/فلسطين

 العبور بين الأجناس الأدبية: ثراء إبداعي أم قلق هوية؟

سماح خليفة/فلسطين

أحالني سؤال مديرة دائرة الآداب في وزارة الثقافة «تحت أي جنس أدبي تصنفين نفسك؛ لنطلبك للمشاركة في الفعاليات؟»، بحكم أني أكتب في أكثر من جنس أدبي، وشاركت سابقًا في فعاليات مختلفة في النقد والشعر والرواية، إلى فكرة هذا المقال. حيث ظلّت مسألة الهوية الأدبية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في النقد الحديث، خاصة مع ظهور كتاب لم يكتفوا بجنس أدبي واحد، إنما انتقلوا بين الشعر والرواية والقصة والمقالة والسيرة الذاتية. هذا الانتقال الذي يمكن تسميته بـ «العبور بين الأجناس الأدبية» يختلف عن حالات أخرى مثل: ازدواجية الهوية الأدبية أو قلق الهوية الإبداعية أو التنازع الأجناسي، وإن كان يلامسها أحيانًا.

فالعبور بين الأجناس الأدبية هو قدرة الكاتب على الانتقال الواعي من جنس أدبي إلى آخر دون أن يشعر بأنه يفقد هويته الإبداعية أو يخون انتماءه الأول. إنه توسيع لحدود التجربة الإبداعية، لا صراع معها. أما ازدواجية الهوية الأدبية فتشير إلى انتماء الكاتب في الوقت نفسه إلى أكثر من جنس أدبي، كأن يعرف شاعرًا وروائيًّا معًا. بينما يحيل قلق الهوية الإبداعية إلى حالة من الحيرة والتردد في تحديد الموقع الأدبي، ويظهر التنازع الأجناسي عندما يشعر الكاتب أن أحد الجنسين يهدد حضور الآخر أو يزاحمه.

تقدم التجربة العربية أمثلة عديدة على العبور بين الأجناس الأدبية، فقد بدأ الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله شاعرًا قبل أن يحقق حضورًا روائيًّا لافتًا، حتى بات اسمه مرتبطًا بالمجالين معًا. غير أن انتقاله إلى الرواية لم يكن نتيجة تخلٍّ عن الشعر، إنّما توسعًا في أدوات التعبير عن رؤيته للعالم والقضية الفلسطينية.

والأمر ذاته يمكن ملاحظته لدى غسان كنفاني الذي كتب القصة والرواية والمقالة السياسية والنقدية، دون أن يحصر نفسه في هوية أدبية واحدة، لقد كانت الكتابة بالنسبة له مشروعًا فكريًّا يتخذ الشكل الذي تقتضيه الفكرة.

وفي المشهد العربي الحديث هناك تجارب لكتاب انتقلوا في الكتابة من جنس إلى آخر، منهم أمين معلوف الذي جمع بين الكتابة الفكرية والرواية التاريخية، وكذلك عبده خال الذي انتقل من كتابة المقال الصحفي إلى الرواية، وهناك أمثلة لا بأس بها من كتاب وشعراء معاصرين.

أما عالميًّا، فتبدو تجربة مارغريت أتوود مثالًا واضحًا على العبور بين الشعر والرواية والنقد الأدبي. فقد بدأت شاعرة ثم أصبحت واحدة من أبرز الروائيات في العالم، من دون أن تتخلى عن الشعر أو تعدّه مرحلة منتهية. وكذلك الحال مع بول أوستر الذي بدأ شاعرًا ومترجمًا قبل أن يحقق شهرته الواسعة روائيًّا. كما تعدّ تجربة أوكتافيو باث نموذجًا مميزًا للجمع بين الشعر والمقالة الفكرية والنقدية.

ويكشف التأمل في هذه التجارب أن العبور بين الأجناس الأدبية ليس أزمة في حد ذاته، إنّما دليل على نضج التجربة الإبداعية. فالمبدع الحقيقي لا ينتمي إلى شكل أدبي بقدر ما ينتمي إلى رؤيته الخاصة. وعندما تضيق القصيدة بفكرة ما، قد تستوعبها الرواية، وحين تعجز الرواية عن التقاط لحظة شعورية مكثفة، يتكفل الشعر بذلك.

غير أن بعض الكتاب يقعون في قلق الهوية الإبداعية حين ينشغلون بالسؤال: «هل أنا شاعر أم روائي؟»، وهنا تتحول الكتابة إلى معركة تصنيف بدل أن تكون ممارسة إبداعية. وقد يقود هذا القلق إلى تنازع أجناسي يشعر فيه الكاتب بأن نجاحه في الرواية يهدد صورته شاعرًا أو العكس. في حين يتجاوز العبور الحقيقي هذه الإشكالية، إذ ينظر إلى الأجناس الأدبية بوصفها أدوات متعددة لصوت إبداعي واحد.

لذلك يمكن القول إن العبور بين الأجناس الأدبية يمثل مرحلة أكثر تقدّمًا من ازدواجية الهوية الأدبية، وأبعد ما يكون عن قلق الهوية أو التنازع الأجناسي. إنه إعلان ضمني بأن الأدب، في جوهره، أكبر من الحدود التي يضعها بعض النقاد بين الشعر والرواية والقصة والمقالة، وأن المبدع الحقيقي لا يسكن جنسًا أدبيًّا واحدًا إنما يسكن اللغة ذاتها.


NameE-MailNachricht