ماذا تبقّى منّا بعد الفقد
سماح خليفة/فلسطين
نحن لا نتعافى من الفقد، نحن نتعلم كيف نحمله دون أن نسقط، فالفقد لا
يأخذ منّا الأشخاص والأماكن فحسب، إنّما يأخذ أجزاء خفيّة من أرواحنا. بعد كلّ
خسارة كبيرة لا يعود الإنسان نفسه تمامًا؛ إذ يترك الغياب في داخله فراغات لا
يملؤها شيء، فيعيد تشكيل نظرته إلى العالم وإلى نفسه وإلى الآخرين.
في غزة، لا يبدو الفقد حدثًا عابرًا أو تجربة فردية، إنّما قدرًا
جماعيًّا يطال البيوت والشوارع والذاكرة والوجوه. فالحروب لا تقتل البشر فقط، إنّما
تقتل النسخة التي كانوا عليها قبلها، فالناس هناك لا يفقدون أحباءهم، إنما يفقدون
إيقاع حياتهم القديم، وأمانهم البسيط، والأماكن التي تحفظ تفاصيلهم الصغيرة. ليعاد
طرح السؤال نفسه من جديد: ماذا تبقّى منّا بعد الغياب؟ بعد الفقد؟
تبقى من أهل غزّة قدرة مدهشة على حمل الذاكرة رغم ثقلها، وعلى التشبّث
بالحياة رغم اتساع رقعة الموت. تبقّى صور الأحبة في البيوت المهدمة، وأسماء
الشهداء في قلوب أمهاتهم، والقصص التي يرويها الناجون كيلا يبتلعَ النسيان من
رحلوا. وتبقى ندوب لا ترى؛ خوف الأطفال، ووحشة الأمهات والشعور بأنّ جزءًا من
الروح قد غادر ولن يعود. فمهما أعيد بناء المكان يبقى شيء ناقص منحه الحياة وذاكرة
خصبة لا يمكن محوها، فأقسى أنواع الفقد أن يبقى المكان أو يعاد خلقه، في حين
يستحيل الشخص الذي كان يمنحه المعنى إلى ذكرى وصورة.
الفقد على قسوته، لا ينجح دائمًا في هزيمة الإنسان. فثمة شيء يبقى بعد
كل انكسار: القدرة على التذكر، والإصرار على المعنى، والإيمان بأنّ الذين رحلوا
يواصلون حياتهم فينا، في كلماتنا وحكاياتنا وأحلامنا المؤجلة.
في غزة يتجدّد الجواب واضحًا؛ لقد أبقى إنسانًا مثقلًا بالحزن، لكنه
مازال قادرًا على الحبّ، وعلى انتظار صباح أقل وجعًا، وعلى إعادة بناء الحياة كلما
حاولت المآسي اقتلاعها. فالفقد لا يغيّر وجوهنا، إنّما يغير الطريقة التي ننظر بها
إلى المحيط من حولنا، إلى شكل العبور إلى عالم أقل قسوة. لقد أبقى صوت الأم في
ذاكرة أبنائها، وضحكة الشهيد معلقة في زوايا الذاكرة، وقصص صغيرة يرويها الناجون
كيلا ينتصرَ النسيان. لتبقى الحقيقة الثابتة: الذاكرة ترفض أن تسلم أرواح أحبتها
للغياب.
