JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

الكتابة خارج دائرة الحرب: هروب أم فعل مقاومة؟ سماح خليفة/فلسطين

 الكتابة خارج دائرة الحرب: هروب أم فعل مقاومة؟
سماح خليفة/فلسطين

في زمن الحروب، يصبح العالم ضيّقًا إلى حدّ يبدو وكأنّ لا شيء يستحق الكتابة سوى الموت. تتشابه العناوين، وتُعاد الصور ذاتها: طفل تحت الأنقاض، أُمّ تودّع أبناءها، ومدينة تتكئ على ركامها. وفي خضم هذا الخراب، قد يبدو الحديث عن زهرة تفتحت على الشرفة، أو عن رواية قرأها الكاتب، أو عن فنجان قهوة عند الغروب، نوعًا من الخيانة للوجع العام.

لكن، هل هو حقًّا كذلك؟

أحيانًا يبتعد الكاتب عن الكتابة عن الحرب، لا لأنّه نسيها، ولا لأنّه فقد حسّه الإنساني، إنّما لأنّه يدرك أنّ الروح التي تنظر طويلًا في العتمة قد تنطفئ، فتصبح هي الأخرى عتمة، فالإنسان ليس آلة لإنتاج الحزن، ولا خزّانًا لا ينضب للألم، إنّه كائن هشّ يحتاج، بين حين وآخر، إلى نافذة صغيرة يدخل منها الضوء.

الكاتب في زمن الحرب ليس جنديًّا في خندق الكلمات فحسب، إنّما هو إنسان، له قلب يتعب، وروح تنوء تحت ثقل الأخبار، ونفس تحتاج إلى فسحة من الضوء كي تستمر، فالكتابة المتواصلة عن الموت قد تجعل الكاتب نفسه جزءًا من هذا الموت؛ لذلك يلجأ أحيانًا إلى الكتابة عن الحياة، لا نسيانًا للحرب، إنّما حفاظًا على قدرته على احتمالها.

الكتابة عن الحياة في زمن الموت ليست هروبًا دائمًا، إنّما قد تكون شكلًا من أشكال المقاومة، فالهروب الحقيقي ربما يكون في الاستسلام تمامًا لسطوة الخراب، وأن نسمح له أن يصادر حقنا في التأمل والفرح والحلم، فالحروب لا تقتل الأجساد وحدها؛ إنما تحاول قتل ما يجعل الإنسان إنسانًا. تحاول أن تقنعنا بأن العالم لم يعد يتسع إلا للألم، وأنّ الضحكة نوع من الخيانة، وأنّ الحديث عن الحبّ رفاهية لا تليق بزمن المآسي.

الاحتلال، والحرب، والدمار، لا تريد فقط أن تهدم البيوت، وتقتل البشر، إنّما أيضًا أن تصادر قدرة الإنسان على الفرح، وتقتل فيهم تفاصيلهم الصغيرة: قدرتهم على الحب، وشغفهم بالجمال، وإيمانهم بأن الغد يمكن أن يكون أفضل. تريد أن تحوّل أيامه إلى مرثية طويلة. وحين يكتب شاعر عن الحب في زمن القصف، أو تكتب روائية عن شجر لوز تتفتح في الربيع، أو عن أغنية قديمة، أو عن لقاء عابر، فإنه يمارس فعل مقاومة من نوع آخر؛ مقاومة تصرّ على أن الإنسان ليس مجرد رقم في نشرات الأخبار. إنهما يقولان للحرب: «لن تسرقي منا حقنا في الحياة».

كما أنّ أن الإنسان، في جوهره، كائن يقاوم بالفطرة، وإذا كان الجندي يقاوم بالسلاح، فإنّ الكاتب يقاوم بالكلمات، وأحيانًا تكون المقاومة في كتابة قصيدة عن شجرة لوز أكثر عمقًا من كتابة مقالة سياسية غاضبة؛ لأن الشجرة هنا ليست شجرة فحسب، إنّما إعلانًا عن استمرار الحياة رغم كل محاولات اقتلاعها.

لقد أدرك الشعراء والروائيون عبر التاريخ هذه الحقيقة، فقد كتب الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن المنفى والاحتلال والهوية، لكنه كتب أيضًا عن الحب والمرأة والذاكرة والياسمين. في قصيدته الشهيرة «أثر الفراشة»، كان يلتقط التفاصيل الصغيرة التي تجعل الحياة جديرة بأن تُعاش. لم يكن ذلك انصرافًا عن القضية، إنّما دفاعًا عن الإنسان الذي تستحق القضية أن تدافع عنه.

وكذلك فعلت الروائية غادة السمان. عاشت أجواء الحروب العربية وكتبت عنها، لكنّها لم تتوقف عن الكتابة عن الحب والوحدة والأسئلة الوجودية. كانت تدرك أنّ الإنسان لا يعيش على الألم وحده.

أما الكاتب الروسي ليو تولستوي، فقد كتب في روايته الشهيرة «الحرب والسلام» عن الحرب النابليونية، لكنّه جعل الرواية في جوهرها تتحدث عن الحب والعائلة والبحث عن معنى الحياة. فحتى وسط أصوات المدافع، كانت القلوب تنبض بأحلامها الصغيرة.

والكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز، الذي عالج في أعماله العنف والحروب الأهلية، لم يتخلّ يومًا عن السحر والحب والحنين، وكأنّ الأدب يذكّرنا دائمًا بأنّ الحياة أوسع من مأساتها.

في فلسطين نفسها، كثيرًا ما نرى الناس يزرعون الورود على شرفات البيوت المهددة بالقصف، ويقيمون الأعراس رغم الفقد ويغنون رغم الحصاد. هل يفعلون ذلك لأنّهم نسوا جراحهم؟ أم لأنّهم يرفضون أن تتحول حياتهم كلها إلى جنازة؟

إنّ الكتابة خارج دائرة الحرب في زمن الخراب هي إعلان صامت بأن الحياة، رغم كل شيء، ما تزال تستحق أن تُعاش، وأن الإنسان حتى وهو محاط بالموت، يملك الحق في أن يبحث عن وردة، وعن قصيدة، وعن لحظة سلام صغيرة. هي تشبه إضاءة شمعة في غرفة معتمة. قد لا تنهي الظلام، لكنها تمنع الروح من الاستسلام له.

إذن، الكاتب الذي يكتب عن الحب في زمن الخراب لا يهرب من الواقع، إنما يحرس الجزء الإنساني فيه. والذي يكتب عن الجمال لا يتنكّر للدمار، إنّما يعلن أنّ الخراب لن يكون سيد المشهد كله.

لذلك، ليست كل كتابة خارج الحرب هروبًا، كما أنّ الانغماس الدائم في الحرب ليس بالضرورة بطولة. أحيانًا تكون الكتابة عن زهرة، أو عن أغنية، أو عن قطة تنام قرب النافذة، فعل مقاومة عميقًا؛ لأن الحرب تريد أن تختصر الإنسان في ألمه، في حين أن الأدب يصرّ على أن الإنسان أكبر من جراحه.

إننا لا نكتب عن الحياة لأنّنا نسينا الموت، إنّما لأننا نريد أن ننجو منه.


https://l.facebook.com/l.php?u=https%3A%2F%2Fwww.alquds.com%2Far%2Fposts%2F247405%3Ffbclid%3DIwZXh0bgNhZW0CMTAAYnJpZBEyY1BzRWY4ZFZNdkZJRmVERHNydGMGYXBwX2lkEDIyMjAzOTE3ODgyMDA4OTIAAR7YoECv1GMmD6ebN2seeP4zTSBG4oX2O-yPRXnYt37ZUZnUZhxclDZ3XlZnWQ_aem_64nwVEwvjq3IWoZXRZjIvA&h=AUCqWy3TyHoYby4VWWtYlbf7dvolCK6snOkg8Mip01MwZVinQrMe_8_2ZepZ4tBXZKe8PETulGoFQLd81DQVc2CKbL2X3EKBYC6InbFlMs5pNkjc7cZNxBsdeFzJZWdcPxnwOMFk8gl8BQVxhQ&__tn__=-UK-R&c[0]=AUCQEU3qEzWIps98wrJOdtFsuOi7Ub2EzCa-P7Dcwszmugd0VBv13pYxRgBA8-_3sKXaCvrsuKm8YItzIAgXXZWbCcns8R9_5ST40LBgapEkb2uIh6gTz37e-_T7EpSGcupYqnsMSry3jgPJTyA8-Zgw97zzqxbaZd3aD0tmoQzmKNpEIrYKFo-AIgA88ROUfS7F9r9KONQmljdrS78BntiT3IWD2w

NameE-MailNachricht