JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

Home

إعادة تدوير اللجوء مع الأم اللاجيوس

 إعادة تدوير اللجوء مع الأم اللاجيوس
سماح خليفة/ فلسطين

يُعيدُ الرّوائي نافذ الرّفاعي صياغة مفهوم اللجوء في روايته "الأم اللاجيوس" من خلال نموذج (فاطمة)، المرأة الفلسطينية اللاجئة التي تُمثل حال الفلسطينيات المهجّرات من بيوتهنّ وأرضهنّ ووطنهنّ، وصمودهنّ في مواجهة أعتى أنواع التحديات، من خلال نضج الوعي وتأثيره في تبلور شخصية المرأة الفلسطينية، وإدراكها أهمية الوعي والتعليم في استعادة رونق الماضي، باستشراف إشراقة المستقبل المتمثل في مواقفها القادرة على خلق جيل جديد يُعتدّ به، عندما أصدرت قرارها الحاسم بإرسال ابنتها للتعلم في المدرسة رغم معارضة الجدّة، وقد جابهت فاطمة تلك الحياة القاسية بعدة وجوه وشخصيات فرضتها المواقف والأحداث التي وقعت بها، اتضح ذلك في متن الرواية، عندما سألت الشابة (يافا) (الفوّاض) عن اسم أمه (ص32)، أجابها: "اسمها فاطمة اللاجئة، ولها أسماء أخرى عند كل موقف، وعند كل تحدٍّ، ولدى مواجهة كل مصيبة، لها اسم عندما جفّ حليب صدرها، واسم عندما خافت الريح أن تقتلع خيمتها وملاذها الأخير، واسم عندما تلوّت جوعًا وربطت تحت حزامها حجرًا كي يُسكت الجوع الكافر، واسم عندما طاردها المختلّون شبقًا جنسيَّا بحثًا عن جسدٍ مكسورٍ بالوجع والجوع، واسم لدى صراخ طفلة مريضة ولسعة برد مجنونة".

رواية الأم اللاجيوس للكاتب المقدسي نافذ الرفاعي، التي صدرت عن دار البيرق في العام 2017، قُدّر لها أن تقع بين يديّ في العام 2024، أقرؤها الآن بطزاجة الأحداث المتمثلة في العام الحالي، وما ذلك إلا دلالة على استمرار قضية الفلسطيني (المجمّدة) ومعاناته، فهي جمعت قضايا سياسية ومجتمعية فضلًا عن السيرة الذاتية والتاريخية التوثيقية، لتخرج بجنس أدبي ينال استحسان القارئ على اختلاف اتجاهاته.

تمثل فاطمة اللاجئة (الأم اللاجيوس) جيلًا من النساء الفلسطينيات الصابرات اللواتي شهدن عذابات اللجوء ومرارة التهجير، ولم يكسرهنّ غياب السّند والمعيل، إنما زادهنّ عنفوانًا وشموخًا وتحديًّا لخلق مستقبل مختلف وتحسين ظروف العائلة وإكسابها شعور الأمان، في الوقت الذي لم تتوانَ فيه عن خدمة القضية الفلسطينية ودعم العمل المقاوم.

من أهم الجوانب التي عمل الروائي على مقاربتها في روايته، قضية المرأة الفلسطينية اللاجئة من خلال الشخصية المحورية المتمثلة في فاطمة، بتقديمها بأرقى وأجلّ صورها، فهي المرأة التي اضطرت أن تخوض رحلة عذابها بعد أن هجّرت من قريتها، وعودة زوجها إلى القرية في محاولة لإحضار ما يسدّ جوعهم ويخمد لهيب ظمئهم، لتبقى فاطمة بدورها وحيدة تنتظر على جبهة المجهول زمنًا طويلًا، تحت سوط السؤال ولعنة الإجابة، مما يدفعها ذلك إلى اجتثاث الخوف من صدرها، وتملّك زمام أمورها، وتحويل دفّة عيشها، بتغيير ظروف معيشتها، واستئجار غرفة من الحجر قرب المخيم، حيث تبدأ بممارسة التجارة بمفهوم مصغّر من بيع وشراء ما يفيض عن حاجة المخيم من معونات الإغاثة.

تلك الحكاية التي تبلورت بين يدي فاطمة ما هي إلا حكاية شعب يعيدنا إلى أحداث نكبة عام 1948م، وما تلاها من هزيمة النكسة عام 1967م، واستمرار عذابات الشعب بعد تلك الهزيمة، وسقوط ما تبقى من البلاد تحت قصف الطائرات التي بثت الرعب في صفوف الجيوش العربية، في حين يكتفي الجميع بالاستماع إلى إذاعة صوت العرب، وأكاذيب المذيع حول إسقاط الطائرات، في الوقت الذي رفع الناس الرايات البيضاء فوق بيوتهم، وآخرون حملوا أمتعتهم وخرجوا من قراهم نحو الأردن رافعين الرايات البيضاء.

يصل الكاتب بنا إلى زمن المفاوضات المهترئ، حيث تسترجع فاطمة اللاجئة في ذكرى النكبة وحشية العصابات التي كانت تلاحقهم، وما ورد من أنباء حول ذبح أهالي القرية وقتل الأطفال والرجال واغتصاب النساء، مما دفع أغلبية سكان مدينة حيفا للهرب عن طريق البحر، والخطر الذي كان يلاحقهم، فضلًا عن قتل العصابات، الحمولة الثقيلة للقارب، التي جعلته يتأرجح في عرض البحر وسط بكاء وخوف من صعدوا تاركين خلفهم أبناءهم أو أقاربهم، كما لجأ بعضهم إلى تجمع منطقة (الحسكة) للاجئين، ما بين مدينة الخليل وحلحول وبيت كاحل، ليتعهدهم الصليب الأحمر، ويزودهم بالخيام وبعض المستلزمات (ص38).

وفي ظل انعدام الأمن والأمان تشهد الرواية بعض الممارسات الشاذّة من خلال تغير سلوكيات الناس في المجتمع، حيث شعرت فاطمة (الأم اللاجيوس/اللاجئة) بتلاشي الإنسانية مع مجابهة معاناة الترحال وعذاباته، كما أن الناس بدؤوا يفقدون قيمهم ومبادئهم، فانتشر التسول وتفشت السرقة وكثر اللصوص، وبدأ الناس يحلفون بالأيمان الكاذبة، وانتشرت ظاهرة زواج القاصرات، والتحرش، فقد تعرضت فاطمة نفسها لمحاولة تحرش، مما دفعها لتمسك بشظية مرآة بعد لفّها بقطعة قماش، وتضرب المتحرش بكل قوتها.

كما ركّز الكاتب على مفاوضات السلام المزعومة، وخرافة مبادلة الأرض بالسلام، وتذبذب الثورة بين التعاون والمقاومة، فأسقط وهم الحصول على الحقوق بـ "التفاوض"، واختار تسمية المفاوض بـ"الفوّاض"، الذي أوكل إليه مهمة سرد حكاية الأم فاطمة اللاجئة/ اللاجيوس، لإحياء قضية عودة اللاجئين بشكل خاص.

كما أعادنا الكاتب إلى تداعيات تلك الهزيمة وما نتج عنها من قرارات أممية انحازت للمعتدي على حساب المعتدى عليه، مشيرًا الى التدليس الذي شاب قرار الأمم المتحدة واللعب على الترجمات، وذلك بحذف أل التعريف من عبارة (الأرض المحتلَّة) واعتمد بدلا عنها عبارة (أرض محتلّة)، لتبدأ معاناة الشعب الفلسطيني وتشتته في بقاع الأرض ومخيمات اللجوء.

يفاضل الكاتب بين جيلين في إشارة منه إلى قضية المفاوضات وأساليبها، الأول: أمثال الأستاذ جورج، الذي هُجّر وعاش النكبة ومعاناتها وقاوم الاحتلال، والثاني: فضّل التفاوض تحت مظلة السلام، موضحًا انعدام الأمل من التفاوض، وأن كل ما يسعى إليه الطرف الآخر من جراء ذلك فقط إضاعة الوقت والتمركز حول لعبة الزمن، من أجل ترسيخ الاستيطان وقلب الحقائق.

ويتجلّى ذكاء الكاتب حين يمرر نقدًا لاذعًا بطريقة غير مباشرة من خلال السؤال الذي أورده على لسان الوسيط، الذي حمل دلالة عميقة بركوب الكثيرين موجة الثورة وتصدر المشهد السياسي؛ لحصد المنافع المادية والمعنوية على حد سواء، عندما توجه للفوّاض متسائلًا: "كيف تكون أنت ابن لاجئة؟ مظهرك ارستقراطي وبذلتك تساوي أكثر من ألف دولار، تناقض صارخ ما بين بؤس الأم وما بين ترف الابن"، في محاولة من الفوّاض بتسجيل موقف ورأي مشهود للتاريخ: "أنا رجل ثوري حالم بالسلام وأكره الحروب، أريد أن يتوقف قتل أبناء شعبي ووقف ترحيلهم وهدم بيوتهم وسياسة العقاب الجماعي".

إضافة إلى المفاوضات التي تناولها الكاتب في إشارة إلى عدم جدواها، يبرِز، من خلال استحضار نموذج الأستاذ جورج ورفاقه، الجانب المقاوم الذي آمن به الكثيرون، وكيف ساندته المرأة في هذا المجال، فاطمة لم تتردّد لحظة في مساعدة المقاومين، عندما التقت بجورج المراقب من الشرطة السرية، ولديه رسالة يجب أن تصل للمقاومين، ناولته علبة السردين في ورقة جريدة قديمة، وطلبت أن يضع الرسالة فيها، وبطريقة ما، استطاعت إخفاء الرسالة في ملابس طفلتها، ونجحت دون أن تنتبه الشرطة السرية لذلك، لتكون هذه بداية مهمتها الجديدة في إيصال الرسائل بين هؤلاء المقاومين دون خوف أو توجس، وكان الأستاذ جورج ورفاقه يتسللون إلى القرى والبلدات المحتلّة لتخريب الطرق وشبكات الكهرباء والمياه.

بالنسبة للمكان كان حاضرًا بقوة في الرواية، لأهميته، ورسوخه، حتى بعد اللجوء، فقد أسهب الكاتب في وصف المدن والقرى، وعادات ساكنيها، وبيئتها وطبيعتها، أورد على لسان الفوّاض (ص49) عن أمه وقريتها، والصورة التي تحتفظ بها لتلك القرية وحقولها الخضراء، وتحكي لهم عن الفلاحين، الذين يغنون ويعملون في الأرض، وكذلك الفلاحات اللواتي يتوجنَ رؤوسهن بقطعة بيضاء تحتضن خبز الطابون المحمص الشهي.

ولا يفوته وصف أهم المدن كالقدس وبيت لحم وأريحا أقدم مدن التاريخ، وكذلك بعض أحياء القاهرة وكورنيش النيل وخان الخليلي وحي الحسين والأزهر وغيرها من الأماكن.

يحرص الكاتب في نهاية الرواية أن ينقل وصية الفاطمة لابنها الفوّاض، تلك الوصية التي حرص أجدادنا على إيصالها لأبنائهم وأحفادهم، وهي عودة الحق لأصحابه وتحقيق السلام، أن ترقد بسلام في موتها على أرضها، بعد رحلة لجوء أرهقتها، وتنفيذًا لوصيتها قام الفوّاض بمساعدة يافا بإخراج جثمانها من القبر ودفنها سرًا في مسقط رأسها، لتنام بسلام في أرض الولادة، وفي تلك الخاتمة نجد الروائي نافذ الرفاعي يتناص مع الروائية ثورة حوامدة في روايتها "جنة لم تسقط تفاحتها".

NameEmailMessage