JavaScript is not enabled!...Please enable javascript in your browser

جافا سكريبت غير ممكن! ... الرجاء تفعيل الجافا سكريبت في متصفحك.

Home

عندما تكون الحقيبة بطلة مسلسل «فنون سارة» سماح خليفة/فلسطين

 

عندما تكون الحقيبة بطلة مسلسل «فنون سارة»

سماح خليفة/فلسطين

في الأعمال الدرامية التقليدية تتصدر الشخصيات المشهد، وتدور الأحداث حول صراعاتها وتحولاتها النفسية والاجتماعية، ولا يخرج مسلسل «فنون سارة» عن هذه القاعدة، مع الأداء اللافت الذي قدمته شين هاي-سون في تجسيد شخصية سارة كيم، البطلة الإنسانية التي ظلت مركز القصة ومحرك أحداثها، لكن المسلسل طرح معادلة مختلفة، حيث منح شيئا آخر حضورا استثنائيا يكاد يضاهي حضور الشخصيات نفسها: حقيبة اليد الفاخرة، الأكثر حضورا وتأثيرا في مسار الأحداث، والتي أصبحت البطلة الحقيقة في المسلسل، فلم تكن الحقيبة مجرد تفصيل بصري يزين المشاهد في عالم الموضة الذي يزخر به العمل، إنّما تحولت إلى رمز للطموح والمكانة الاجتماعية والوهم الذي يطارد الشخصيات.

ظلت الحقيبة منذ الحلقة الأولى، لا تظهر بوصفها أداة للاستخدام اليومي، إنّما باعتبارها جواز مرور إلى عالم النخبة. إنها العلامة التي تمنح حاملتها الاعتراف الاجتماعي، وتفتح أمامها الأبواب المغلقة، وتعيد تشكيل صورتها في أعين الآخرين. وفي المقابل تبدو القيم الإنسانية والمعايير الأخلاقية أقل أهمية من الشعار المطبوع على قطعة جلد باهظة الثمن.

لقد نجح المسلسل في كشف مجتمع تحكمه الرموز الاستهلاكية أكثر مما تحكمه الكفاءات الحقيقية. فالشخصيات لا يهمها من أنت بقدر اهتمامها بالعلامة التجارية التي تحملها، وهكذا تتحول الحقيبة إلى لغة اجتماعية كاملة، تُقاس بها المكانة وتحدد من خلالها قيم الأفراد.

تجسد سارة هذه المفارقة بوضوح فهي لا تسعى إلى امتلاك حقيبة فاخرة فحسب، إنّما امتلاك الحياة التي ترمز إليها تلك الحقيبة، حتى تغدو الأشياء هي من تملك الإنسان لا العكس.

ومن الناحية الرمزية تمثل الحقيبة في المسلسل أكثر من مجرد منتج فاخر، إنها اختزال لعالم كامل يقوم على الاستعراض الاجتماعي. عالم يخلط بين القيمة والسعر، وبين النجاح والثراء، وبين السعادة والقدرة على الاستهلاك، لذلك فإن الحقيبة تتحول إلى مركز الثقل الدرامي الذي تتحرك حوله الرغبات والمخاوف والصراعات.

غير أن المفارقة الكبرى التي يطرحها العمل تكمن في أن الأشياء التي تمنح الشخصيات شعورا بالقوة هي نفسها التي تكشف هشاشتها. فكلما ازداد التعلق بالمظاهر، ازداد الخوف من انكشاف الحقيقة. وهنا يتحول البريق إلى عبء، والترف إلى قيد، والنجاح الظاهري إلى سجن نفسي وأخلاقي.

إن «فنون سارة» ليس مسلسلا عن الموضة بقدر ما هو مسلسل عن زمن أصبحت فيه الأشياء تتقدم على البشر. رمزا لعصر يقاس فيه الإنسان بما يملك لا بما يكون. وعندما تصبح الحقيقة بطلة مسلسل، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه العمل: هل ما زلنا نعيش حياتنا، أم أننا نعيش داخل الصور التي نصنعها لأنفسنا؟

ملاحظة: رغم أن المسلسل كوري، فإن قصته تتجاوز خصوصية المكان والثقافة، إذ تعكس هوسًا إنسانيًّا بالمكانة الاجتماعية والمظاهر لا يقتصر على مجتمع بعينه، إنما يتجلى بأشكال ومستويات مختلفة في المجتمعات النامية والمتقدمة على حد سواء.



NameEmailMessage